ابن عطية الأندلسي
167
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
يترجى لها الرجوع والإنابة ، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة ، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته ، فصارت أشد من الحجارة ، فلم تخل أن كانت كالحجارة طورا أو أشد طورا ، وقرأ أبو حيوة : « قساوة » ، والمعنى واحد . وقوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ الآية ، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة القسوة ، وقال قتادة : عذر اللّه تعالى الحجارة ولم يعذر شقيّ بني آدم ، وقرأ قتادة : « وإن » مخففة من الثقيلة ، وكذلك في الثانية والثالثة ، وفرق بينها وبين النافية لام التأكيد ، في لَما ، وما في موضع نصب اسم ل إِنَّ ، ودخلت اللام على اسم إِنَّ لمّا حال بينهما المجرور ، ولو اتصل الاسم ب إِنَّ لم يصح دخول اللام لثقل اجتماع تأكيدين ، وقرأ مالك بن دينار : « ينفجر » بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم ، ووحد الضمير في مِنْهُ حملا على لفظ « ما » ، وقرأ أبي بن كعب والضحاك « منها الأنهار » ، حملا على الحجارة ، و الْأَنْهارُ جمع نهر وهو ما كثر ماؤه جريا من الأخاديد ، وقرأ طلحة بن مصرف : « لمّا » بتشديد الميم في الموضعين ، وهي قراءة غير متجهة ، و يَشَّقَّقُ أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين ، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا ، أو عن الحجارة التي تشقق وإن لم يجر ماء منسفح ، وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون ، وقيل في هبوط الحجارة تفيؤ ظلالها ، وقيل المراد : الجبل الذي جعله اللّه دكا ، وقيل : إن اللّه تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعا ، ونظير هذه الحياة حياة الحجر المسلم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وحياة الجذع الذي أنّ لفقد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل لفظة الهبوط مجاز لما كانت الحجارة يعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها ، أضيف تواضع الناظر إليها ، كما قالت العرب : ناقة تاجرة أي : تبعث من يراها على شرائها ، وقال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، نزل بذلك القرآن ، وقال مثله ابن جريج ، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [ الكهف : 77 ] ، وكما قال زيد الخيل : [ الطويل ] بجمع تضل البلق في حجراته * ترى الأكم فيه سجدا للحوافر وكما قال جرير : والجبال الخشع ، أي من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا قول ضعيف : لأن براعة معنى الآية تختل به ، بل القوي أن اللّه تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة ، و بِغافِلٍ في موضع نصب خبر مَا ، لأنها الحجازية ، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر ، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية ، وقرأ ابن كثير « يعملون » بالياء ، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ الآية ، الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم ، ومعنى هذا الخطاب : التقرير على أمر فيه بعد ، إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء ، وهؤلاء على ذلك السنن ، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب ، وقال مجاهد والسدي : عني بالفريق هنا الأحبار